حمدان الشمسي الإمارات العربية المتحدة

جريدة السفير

يبدو أن على سوق النفط العالمية المثقلة بهموم ضعف الطلب وتراجع الأسعار أن تستوعب لاعباً جديداً: مجموعات الضغط الأميركية التي تتحرك وفق حسابات داخلية يمكن أن يكون لها تأثيرها على السوق. فقرار وزارة التجارة الأميركية نهاية كانون الأول الماضي السماح بتصدير المكثَّفات (وهي عبارة عن نفط خفيف للغاية) يعتبر خطوة أولى تتدرج إلى أن تنتهي بدخول مليون برميل يومياً من هذه المكثَّفات الى السوق أواخر العام الجاري، الأمر الذي سيضيف الى حالة التخمة السائدة، ويزيد من الضغط على سعر برميل النفط الذي تدهور بمقدار النصف، الى أقل مستوى له منذ أكثر من خمسة أعوام. وأهم من هذا، فإن هذه الخطوة التي تعتبر صغيرة ستفتح شهية اللوبي الساعي الى رفع الحظر عن تصدير النفط الأميركي، القائم منذ الحظر العربي النفطي على الولايات المتحدة في السبعينيات، مكثفاً جهوده لتحقيق نتائج ملموسة في هذا الجانب من ناحية، كما انها من الناحية الثانية ستعزز من فرص مواجهة أميركية ـــ سعودية على الحصص في السوق.

فانتعاش صناعة النفط والغاز الصخري الأميركية، المستفيدة من تقنية التكسير الهيدرولوجي والحفر الأفقي، أدت إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج المحلي، مما أسهم في تقليص حجم الواردات، خاصة من النفوط الخفيفة. ولهذا أختفت نيجيريا مثلا من قائمة الدول التي تصدر النفط الى السوق الأميركية. على أنَّ تشبّع السوق بدأ يؤثر سلباً على الأسعار وعلى مرافق أخرى في الصناعة مثل الحفر، ومن هنا بدأ الضغط من أجل فتح الباب أمام التصدير. بعض الأعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب، سواء من الذين تتضرر ولاياتهم المنتجة للنفط من هذا الحظر أو من أولئك المؤمنين بحرية السوق على أساس أنها ستدفع الصناعة النفطية الأميركية الى العمل بكفاءة في مواجهة منافسيها، يدفعون باتجاه مراجعة واشنطن لقرار منع التصدير، مشيرين إلى أن دخول الولايات المتحدة السوق النفطية دولة مصدِّرة ستكون له انعكاساته على مجمل الصناعة. كما يقول رئيس معهد البترول الأميركي إن على واشنطن أن تتصرف من منطلق القرن الحادي والعشرين، وبصفتها دولة قائدة ومتخمة بالنفط، لا أن تستمر سجينة منطق الشح والحظر الذي ميز القرن العشرين. وهناك من يلفت النظر الى جانب آخر، وهو أن الصادرات النفطية الأميركية يمكن أن توفر سنداً في جوانب سياسية مثل تشديد الحظر على إيران وتوفير بدائل عند الطلب لبعض الدول المستهلكة تدفعها لعدم شراء النفط الإيراني. وكان ملاحظاً ما نقل عن رئيس كوريا الجنوبية من أنه يحبذ أن تفتح واشنطن باب التصدير مرة أخرى لأن بلاده تستورد 97 في المئة من احتياجاتها النفطية وتحتاج الى تنويع مصادر إمداداتها.

لوبي التصدير

مؤخراً، تكوَّن لوبي من عشر شركات من أبرزها “كونوكوفيليبس” و “هيس” و “كونتيننتال”، لمساندة جهود رفع الحظر التي تجد دعماً رئيسياً من بعض السياسيين، وخاصة الجمهوريين بقيادة ليزا ميركوسكي التي يتوقع لها أن تترأس لجنة الطاقة في الكونغرس. على ان هذه المجموعة تصطدم بمجموعات أخرى مناوئة، على رأسها أولئك الذين يتخوفون من أن يؤدي السماح بالتصدير الى رفع أسعار الوقود بالنسبة للمستهلك المحلي، وهو ما يُعتبر خطوة مكلفة سياسياً. هذا الى جانب لوبي المصافي التي تستفيد من وجود تخمة في الإنتاج المحلي، لأن ذلك سيعني أنها ستحصل على النفط الخام بسعر أرخص، إضافة الى الجماعات المهتمة بالبيئة، التي ترى انه باستمرار منع التصدير، فإن الحاجة ستقل الى فتح مناطق فيدرالية جديدة أمام الشركات للتنقيب عن النفط والغاز، مما يشكل حماية للبيئة.

نقطة النقاش الرئيسية ستتركز في قضية ارتفاع أسعار الوقود بالنسبة للمستهلكين المحليين، لما يصحبها من تبعات سياسية. ويقول مؤيدو رفع الحظر إن سعر النفط أصبح عالمياً يؤثر فيه انقطاع الإمدادات في نيجيريا أو تراجع الإنتاج في ليبيا، وليس محكوماً فقط بعوامل العرض والطلب المحلية. وبالتالي فمن الأفضل أن تسجل الولايات المتحدة حضورها في السوق الدولية حتى تستطيع التأثير في السعر العالمي، خاصة وقد تمكنت من التقدم على كل من روسيا والسعودية لتصبح أكبر منتج للنفط والغاز في العالم. وهذا الجدل ينتظر الدراسة التي تجريها إدارة معلومات الطاقة لبلورة السياسة التي يمكن تبنيها.

الخطوة التي أعلنت عنها وزارة التجارة بالسماح بتصدير المكثفات تأتي رداً على ما طرحه وزير الطاقة الأميركي قبل عام من ضرورة بدء نقاش حول حظر تصدير النفط. ويُعتقد ان البيت الأبيض يمكن أن يكتفي بهذه الخطوة في الوقت الحالي، وأن التقدم في اتجاه رفع الحظر الكلي يحتاج إلى مساندة من الكونغرس ومساندة من الحزبين الديموقراطي والجمهوري بسبب التبعات السياسية لخطوة مثل هذه.

الدفاع عن الحصص لا الأسعار

ستعزز الخطوة الأميركية من وجهة النظر السعودية القائمة على أساس أن على الدول المنتجة في أوبك أن تسعى جهدها للحفاظ على نصيبها في السوق والتخلي عن فكرة خفض الإنتاج للدفاع عن السعر، لأن أي خفض في الإنتاج سيتم التعويض عنه من قبل المنتجين من خارج أوبك خاصة.
وفي واقع الأمر، فإن الرياض تماشت في بداية الأمر مع الدعوات الهادفة الى خفض الإنتاج والدفاع عن الأسعار. وتم الكشف مؤخراً عن رحلات قام بها وزير النفط السعودي الى فنزويلا في تشرين الثاني الماضي، من أجل التنسيق والإعداد لاجتماع أوبك الذي كان مقرراً له أن يلتئم نهاية ذلك الشهر في فيينا. الوزير السعودي أبلغ مضيفيه من المسؤولين الفنزويليين انه مستعد للنظر في خفض الإنتاج إذا تمكنت كاراكاس من الحصول على موافقة منتجين رئيسيين مثل روسيا والمكسيك للانضمام لخطة خفض الإنتاج، بل وتم التداول في بعض الأرقام. لكن روسيا أوضحت بجلاء أنها ليست في وارد خفض إنتاجها لأسباب فنية، وهذا ما دفع الوزير السعودي النعيمي (بمساندة خليجية) إلى الضغط باتجاه أن تتبنى أوبك قرار عدم إنتاجها أكثر من 30 مليون برميل يومياً.

في غياب أي تنسيق بين المنتجين داخل وخارج أوبك، يبدو أن النعيمي رأى أن أفضل حل هو ترك الأمر لقوى السوق لتدفع ببعض المنتجين من ذوي الكلفة العالية إلى خارج الحلبة. ويأتي على رأس هؤلاء منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة، وكثير منهم يحتاجون الى أرضية سعرية في حدود 40 – 50 دولاراً للبرميل ليصبح إنتاجهم مجدياً اقتصادياً. واستناداً الى رخص كلفة إنتاج النفط السعودي التي تتراوح بين 4 – 5 دولارات للبرميل، مع تمتع البلاد باحتياطيات مالية ضخمة من العملات الصعبة تتجاوز 750 مليار دولار، فإن السعودية ترى نفسها مؤهلة أكثر من غيرها للاستمرار في معركة عض الأصابع. وقد ذهب الوزير السعودي خطوة أبعد عندما أدلى بتصريحات لنشرة “ميدل أيست أيكونوميك سيرفي” المتخصصة في الشؤون النفطية، لم يستبعد فيها صراحة أن يهبط سعر البرميل حتى الى 20 دولاراً، وذلك على أساس ان السوق هي التي تحدد الأسعار وليس أوبك، بل وأستبعد عودة السعر الى 100 دولار مرة أخرى. الصراحة غير المعهودة التي تحدث بها الوزير أكدت على ان الرياض فيما يبدو قد حسمت أمرها، ولم تعد تبالي بتراجع الأسعار، وهو ما ظهر في موازنة هذا العام التي أعلن عنها في نهاية 2014، بعجز مقدَّر بحدود 38.8 مليار دولار، وهو ما أدى الى بعض ردود الأفعال على غير العادة. فالأمير الوليد بن طلال انتقد استمرار الخط التوسعي الذي تقوم عليه الميزانية، محذراً من أن البلاد وصلت الى مرحلة الخطر، ومضيفاً انه بدلا عن زيادة الإنفاق، كان ينبغي أن تكون الميزانية في حجم ميزانية العام الماضي، وبالتالي لن تكون هناك حاجة الى عجز والسحب من الاحتياطيات لتغطيته. كما أنتقد عدم وجود صندوق سيادي يدار بطريقة أفضل حتى يعود على البلاد بفائدة استثمارية أحسن من النهج المحافظ لوزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي المركِّزة على شراء سندات الخزانة الأميركية والأوروبية التي لا يتجاوز عائدها أكثر من 2.4 في المئة سنويا، بينما يمكن للصندوق السيادي المدار بصورة أفضل تحقيق عائد يتجاوز 7 أو 8 في المئة.

وانسحبت ردود الأفعال الى الجانب الإعلامي، حيث مجال لبروز أصوات يمكن تصنيفها كـ “ليبرالية”، وبعضهم ممن تابعوا دراساتهم العليا في الغرب وتأثروا ببعض الأفكار والمناهج وأنماط الإدارة والحكم، من دون تحول هذه الأصوات إلى تيار بالمعنى الاجتماعي أو خصوصا السياسي. كتب الصحافي حسين الشبكشي ما وصفه انه سباحة ضد التيار، وأن هذا هو الوقت الملائم للقيام بإصلاحات اقتصادية تستفيد من استعداد الناس لتقبل بعض الإجراءات، ووجود احتياطيات وموارد لدى الحكومة تحتاج الى استغلالها في مشاريع منتجة. أما عبد الرحمن الراشد فأنتقد طابع السرية الذي لا يزال يسيطر على الساحة الاقتصادية السعودية، متسائلا عن سعر البرميل الذي وضعت على أساسه الميزانية ولماذا يظل سرياً. ويضيف انه من الأفضل للدولة أن تعلنه ومعه في الوقت ذاته إستراتيجيتها فيما إذا طال وقت بقاء أسعار النفط متدنياً، منتقداً أن تقوم الإستراتيجية على احتمال تحسن سعر برميل النفط في وقت لا يمكن لأحد تحديد المدى الذي يمكن أن يحدث فيه ذلك. وأضاف ان الأزمة لم تبدأ بعد، داعياً الى اختبار قدرات الدولة في إدارة شؤونها بسعر يقل عن 100 دولار للبرميل. وطالت الانتقادات وزير الاقتصاد والتخطيط الذي تحدث عن توجه لمراجعة خطة التنمية في ضوء انخفاض أسعار النفط. وطالبه منتقدوه بالخروج من العموميات الى شيء من التفاصيل تُطرح أمام الناس لتكون على بيِّنة من أمرها. مثل هذه الانتقادات العلنية لم تكن معهودة في السابق، وهي تشير في الوقت نفسه الى حجم القلق بسبب الاعتماد على مصدر وحيد لدخل الدولة لا يمكن التحكم فيه، وهو قلق يعبر عن نفسه بالتقلبات الحادة التي تشهدها سوق الأسهم السعودية من وقت لآخر.