ازدواجية معايير الهولوكوست

by mkleit

فاطمة جلعوط

شاهد نيوز

يتم الرجوع إلى الماضي، إما لصب جام غضبنا عليه وتبرير ذلك بأنه المرحلة الأكثر حزناً وصعوبةً مرت علينا، ما يشير إلى الجهل وتردي المجتمع، ويجب أن نعيد تنسيق حاضرنا وقطع صلتنا بتلك المرحلة التي ولت، والبدء بصناعة تاريخ جديد انطلاقاً من نقطة الصفر، أو أن اللجوء إلى التاريخ ليس إلا وسيلة للهروب من وطأة الفقر العلمي والأخلاقي الذي نشهده اليوم. وبين هذا وذاك، قلة قليلة تعتبر بدروس ماضيها، لتتعامل مع حاضرها بطريقة أكثر حكمة وتصبو إلى مستقبلٍ خالٍ من الشوائب والأخطاء. وهناك من يعمل جاهداً على تحويل أساطير الماضي وأغلاطه لمآرب شخصية قد تحوم حولها الشكوك، ويبدأ العقل بطرح أسئلة حول ذاك التاريخ وما إذا كانت تغلفه تزويرات وتأويلات لا ترضي غير صاحبها.

ومن حوادث التاريخ التي يتم استغلالها – من قبل طرف – بشكل متكرر حتى يومنا هذا، عمليات الإبادة الجماعية التي قام بها النازيون، أثناء الحرب العالمية الثانية، التي أودت بحياة أكثر من مليون و300 ألف مدني، من بينهم يهود وسلافيون وشيوعيون ومعارضون سياسيون وغجر والعديد من الشعوب غير الألماني.

 وقد استعمل مصطلح “الإبادة الجامعية” البولندي اليهودي “رافئيل لمكين”، الذي هرب من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وبفضله تم إضافة المصطلح إلى القانون الدولي بعد توقيع أول معاهدة لحقوق الإنسان تصدر عن الولايات المتحدة.

إلاّ أن الحركة الصهونية ومنذ نشأتها وهي تعمل على توظيف يوم 27 كانون الثاني كيوم عالمي لذكرى “الهولوكست”، لإنعاش ذاكرة اليهود والعالم، وجعل قضية المحرقة اليهودية حائط مبكى ثانياً لدى الصهاينة، لتبرير جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني، فضلاً عن وضع مناهج دراسية إسرائيلية تعنى بالمجزرة التي ارتكبت بحق اليهود، بالتغاضي عن المحرقة العربية بحق الفلسطينيين من قِبلهم.

 ومن الدعايات التي بثها اليهود لتحقيق غاياتهم تعرضهم للاضطهاد والتعذيب وتشريدهم في جميع أصقاع العالم لمكانتهم وتميزهم على بني البشر، بكونهم “شعب الله المختار”. ولكن الحقيقة تثبت عكس ذلك، فاليهود وعلى مدى التاريخ هم أصحاب المهن الساقطة فضلاً عن مكرهم وخداعهم لكل الشعوب التي تعاملوا معها وعاشوا بينها. ومن أكاذيبهم ذات العيار الثقيل “معاداة السامية” وهي فعلياً معاداة اليهود، الأكذوبة الأشهر لديهم، والتي يعزفون على لحنها لابتزاز الدول الكبرى وإعطاء الصهاينة الضوء الأخضر في شتى الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية.

فالهولوكوست على حد تعبير الكاتب الإسرائيلي “بواس ايفردن”: “عملية تلقين دعائية رسمية تمخضت عن شعارات وتصورات زائفة عن العالم، وليس هدفها منهم الماضي على الإطلاق بل التلاعب بالحاضر”. ويرى الكاتب “جايكوب نوزثرا” أن أول وأهم ادعاء انبثق من حرب 1967، وأصبح شعاراً لليهودية الأمريكية، هو: “الهولوكوست فريدة وليس لها نظير في التاريخ الإنساني”.

فيما سخر آخرون من “الهولوكوست” معتبرين القضية ليست إلا دليلاً على ضعف اليهود، وخوفهم هذا لم يخدم سوى مصالحهم، والتي يعمل لأجلها الكيان الصهيوني – بكل ما أوتي من مكر وقوة – طامساً الهوية الفلسطينية وتشويه تاريخها.

وتذكيراً بالقائمة الطويلة من المجازر البشعة التي ارتكبت بحق الفلسطينيين منذ أن وطئت أقدامهم ثرى فلسطين العربية نورد أبرزها: مذبحة دير ياسين 1948م وكفرقاسم عام 1956م وصبرا وشاتيلا 1982م ومذبحة الأقصى الأولى في صبيحة 1990/10/8، عندما حاول متطرفون يهود وضع حجر الأساس للهيكل الثالث في ساحة المسجد الأقصى، فقام أهل القدس لمنع المتطرفين اليهود من ذلك فوقع اشتباك بين المصلين وعددهم قرابة أربعة آلاف مصل وبين المجموعة اليهودية المتطرفة المسماة بـ”أمناء جبل الهيكل”، فتدخل على الفور جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودون في ساحات المسجد وأمطروا المصلين بزخات من الرصاص، وأيضاً مذبحة الأقصى الثانية (انتفاضة النفق) 1996م ومذبحة الأقصى الثالثة في عام 2000م وغيرها من المذابح. وكان قد بلغ عدد السجناء منذ عام 1967م حتى عام 2000م 890 ألف سجين، بينهم أطفال بأعمار  6 أعوام. ويستخدم الصهاينة ضد الفلسطينيين أساليب مروعة في تعذيبهم وحبسهم في أماكن يصعب الوصول إليها مع تكديسهم فوق بعضهم البعض وتعريضهم للحرارة الشديدة، والبرد القارص، وتعنيفهم جسدياً ونفسياً. وفي صدد هذا كله كان قد قتل تحت التعذيب في السجون الإسرائيلية أكثر من 126 شخصاً فضلاً عن اغتصاب أرض فلسطين وتهجير سكانها، والقيام بعمليات اغتيال ضد كل من يحاول الدفاع عن أرضه وشعبه.

والمفارقة العجيبة في ذكرى “الهولوكوست” أن وقعها يأتي للتذكير بمعاناة اليهود وحدهم بيد أن هناك أكثر من نصف مليون غجري تقريباً قضوا حتفهم على أيد النازيين. ويبلغ تعداد الغجر الأوروبيين أكثر من اثني عشر مليون نسمة، نصفهم تقريباً في أوروبا الشرقية والنصف الآخر في الغرب الأوروبي. وتعرَّض الغجر على مرِّ التاريخ لعمليات تطهير عرقي وترحيل قسري. وفي العصر الحديث أنشأت الحكومة النازية في ألمانيا مكتباً مختصاً بملاحقة الغجر، وأصدر هتلر في العام 1943 قانوناً حظر فيه أي إشارة للغجر كمجموعة بشرية ذات حقوق، وأمر بعدها باقتيادهم إلى معسكر أوشفيتز ومعسكرات الاعتقال الأخرى، حيث مات الآلاف نتيجة استخدامهم كـ”مادة” تجارب. وحتى يومنا هذا يعاني الغجر من تهميش ومعيشة بائسة، ويجري التمييز ضدهم. ولم تعترف المجتمعات الأوروبية بمسؤوليتها عن كل ما يمارس بحق الغجر بل سنت تشريعات جديدة تقوم باستهدافهم في أوروبا. وتعتبر هنغاريا من الدول الأكثر معاداة للغجر، وذلك من خلال حزب “جوبيك” اليميني المتطرف الذي حاز على شعبية واسعة برفعه لشعارات عنصرية.

ويبقى الفلسطيني ضحية الجرائم النازية، وضحية مواقف الدول الكبرى المؤيدة لـ«إسرائيل» ولممارستها للإبادة والإرهاب والعنصرية والاستعمار الاستيطاني، وضحية الهولوكوست النازي والهولوكوست الإسرائيلي ذوَيْ المعايير المزدوجة.

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: