12 > 2000: المسلمون هم الضحية

by mkleit

الملثمين الذين هاجموا مبنى مجلة تشارلي إيبدو

كان مسلمو العالم الضحية الأكبر بعد الهجوم الذي استهدف مقر المجلة الفرنسية الساخرة “تشارلي إيبدو” والتي أضحت بين ليلة وضحاها أشهر مجلة في العالم, وأجبرت كل من لم يسمع بها على أن يهرع للبحث عن أي معلومة تعرفّه عن هذه المجلة الساخرة بعد مقتل عدد من صحفييها ورساميها من قِبل ملثمين. وبالرغم من أن الحكومة الفرنسية لم توجه الاتهام إلى أي جهة, فقد خرجت مصادر صحافية قائلة إن المسلحين اللذين هاجما المجلة الساخرة يتبعان لتنظيم “القاعدة في الجزيرة العربية”. وتوالت الإدانات عالمياً، حيث كان أولها من وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري بعد نحو ساعة من حدوث الهجوم الإرهابي، وتلاه رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون وغيره من قادات العالم.

وبعيداً عن أحداث باريس الدموية، وفي قرية لا برج إيفل فيها ولا وسائل إعلامية مهتمة بها, هاجم التنظيم الإرهابي “بوكو حرام” النيجيري قرية باغا (Baga) وقرى صغرى محيطة بها, بعد أن قاموا بحرق المنازل وقتل كل من حاول الوصول إليها. وقدّرت الضحايا البشرية بنحو ألفي شخص، جلّهم من النساء والأطفال وكبار السن ممن لم تسنح لهم الفرصة بالفرار كغيرهم من الفارين الذين وصل عددهم إلى نحو 7500.

لم تجد باغا أقل أنواع الدعم ولو “معنوياً” كما وجدته باريس، حيث احتشد أكثر من ثلاثة ملايين بين زعماء ومشاهير وغيرهم من المواطنين الفرنسيين في مسيرة واحدة سارت في شوارع باريس الأنيقة, ضمن حراسة أمنية مشددة لا خوف عليهم فيها من الغازات المسيلة للدموع أو الرصاص المطاطي كما هو الحال مع مواطني العالم الثالث في كل مرة يخرجون فيها مطالبين بحقوقهم الدنيا أدنى في الحياة. ولربما في عالم السياسة العدد 12 يفوق العدد 2000، وبالأخص حين تحصل المقارنة ما بين قتيل أوروبي وآخر أفريقي، فيلعب لون البشرة دوراً بارزاً في تحديد طبيعة الإدانة والقرار الدولي الذي يليها. بالإضافة إلى أن فرنسا تُعتبر دولة عظمى من بين دول العالم الأول، ولديها تاريخ حافل في تحديد مصير شعوب عديدة، من بينها لبنان وسوريا. بينما نيجيريا تُعد من أفقر دول العالم بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، فهي رغم غناها النفطي، إلاّ أن اللعنة قد صبّت عليها كون بشرة سكانها سوداء، وهذا ما أعطى الضوء الأخضر للتنظيم الإرهابي أن يجزر بمسلميها ومسيحييها على حدٍ سواء.

دول أفريقيا هي من أكثر الدول التي تعاني من العنصرية الدولية والأزمات المتتالية على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فهي ليست جميعها سيدة قرارها (باستثناء بعض الدول الشمالية)، ولطالما كانت الدول هذه حقول تجارب “طبية” على الكثير من الأمراض، بالإضافة إلى استعباد شعوبها من قبل الدول الأخرى ولا سيما تلك التي ترفع شعارات الحرية والديقراطية، فليس من المستغرب أن ينبذ العالم المجزرة التي هي أشبه بالإبادة الجماعية، ويذهب مسرعاً للتضامن مع الصحافيين والرسامين في باريس من خلال جميع أشكال الدعم, وعن طريق وسائل التواصل الاجتماعية عبر هاشتاغ دشنه رواد موقع تويتر وأسموه #CharlieHebdo ليلقى رواجاً حتى في العالم العربي، إذ فاق عدد التغريدات 55 ألف تغريدة خلال 24 ساعة. واستعمل الهاشتاغ في مرحلة أولية لمتابعة الحدث أولا بأول ولنشر آخر المستجدات ليتحول في مرحلة لاحقة إلى وسيلة للتعبير عن آراء رواد موقع تويتر إزاء ما حدث. وظهر هاشتاغ آخر تحت شعار #KillAllMuslims، كرد فعل على الهجوم “الإرهابي” في باريس، والذي استقبله العديد بالرفض وطغى الاستنكار عليه، وغرد مسلمون ومتضامنون معهم تحت شعار “Je Suis Muslim” أي “أنا مسلم” و #RespectForMuslimsتعبيراً عن رفضهم لإدانة الإسلام والتضامن مع جميع المسلمين حول العالم وخاصة في أوروبا، ولمواجهة العنصرية ضدهم التي تؤججها تلك الهجمات تحت شعار الإسلام. وبين مؤيد ومعارض لما وقع، كان الملفت للنظر تاريخ مجلة “إيبدو” التي لم تتوانَ عن السخرية يوماً من كافة الأديان (باستثناء اليهودية)، حيث كلف التعليق على انتقاد الديانة اليهودية الكاتب السابق للمجلة “موريس سينيه” عمله، وذلك في عام 2009 بتهمة “المعاداة للسامية”، وتمت محاكمته بتهم الكراهية، بحسب جريدة تيليغراف البريطانية.

امرأة تجول في منطقة باغا المحروقة من قِبل التنظيم الإرهابي بوكو حرام في نيجيريا

يولد الإرهاب والتطرف الفكري من الفقر وسوء التعليم بشكل أساسي، وفي بعض الأحيان من التهميش الاجتماعي أو الإيهام بالمظلومية، وهذا ما يحصل اليوم في نيجيريا، من قبل التنظيم الإرهابي بوكو حرام، الموالي لتنظيم القاعدة، والذي يسيطر على أجزاء من نيجيريا، ويفتك “بالأخضر واليابس” من بشر وخيرات الأرض السمراء. وقد حذر رئيس أساقفة نيجيريا، المطران إغناطيوس كايغاما، من خطر هذا التنظيم، و”أن الإرهاب قد يتوسع ليخرج الى أبعد من حدود نيجيريا ويصل إلى دول الجوار وأوروبا”. وهنا يأتي دور المجتمع الدولي ممن يدرك تمام الادراك خطر الإرهاب وما قد ينتج عنه إذا ما تم القضاء عليه قبل أن يخرج خارج سيطرة الدولة الواحدة وينتشر كانتشار النار في الهشيم، فهل من يسمع لتحذيرات المطران “كايغاما”، أم أنه سينتظر غداً لتلقّي الصدمة في عقر داره كما حصل في باريس وأنقرة ونيويورك؟ والجدير بالذكر حول التنظيم الإرهابي الآخر، “داعش”، أن الولايات المتحدة لم تعمد لمحاربته “عملياً” إلا بعد أن اقترب في العراق وسوريا من آبار النفط في الإقليم الكردستاني، الذي تسيطر عليه الشركات الأميركية والبريطانية.

وبيد أن المشكلة لا تكمن في “النفاق” السياسي على المستوى الدولي، بل أيضاً في سوء التغطية من قبل الإعلام العالمي للمجزرة النيجيرية، فالإعلام أخذ منحى ذا طابع عنصري في تغطيته لأخبار الموت والقتل المستمر في دول “العالم الثالث”، وتحولت دول أفريقيا والعالم العربي بمجازرها وحروبها التي تسفك يومياً دماء المئات من أبنائها، في “الوسائل الإعلامية” لتصبح من العناوين الثانوية، ولتعاد صياغة الخبر يومياً مع تغيّر في عدد الضحايا وتصل في نهاية المطاف إلى نحو الملل، وذلك ما أدى إلى “تقبّل الجمهور عبر تمليلهم” بحسب ما قال الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان جاك روسو. فكان من الملحوظ مرور خبر وجود مقبرة جماعية في الموصل تحتوي على 120 جثة مرور الكرام، وذلك بعد بضع ساعات من حدوث هجوم باريس. وإلى حد الآن، يتم استغلال الوضع الباريسي كما تم استغلاله عام 2001 عقب أحداث 11 أيلول، وذلك عبر الهجوم على الإسلام بالتحديد، وإلصاق تهمة الإرهاب به.

وبالتأكيد على أنه لا شيء ينبغي أن يبرر هكذا عمل، لكن هذا لا يتعارض مع التذكير بأن الإساءة إلى أي عقيدة دينية أو أي نبي من أنبياء الله هي أمر مرفوض تماماً، وهي إساءة تحرض بعض الناس على الثأر لدينهم أو نبيهم كما حصل في باريس.

نُشر على موقع شاهد نيوز

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: