الفكر المنتج بين بدائية الماضي وتعقيدات الراهن

by mkleit

Image

بقلم الأستاذ حسين عبيد من موقع صوت الفرح:

منذ أن بدأت ناصية الوعي تتشكل، ولامست الفكرة بنية العقل الإنساني المنبثق من الفطرة، انسلت من بين حوافي الذهن ملوثات عقديّة وفكرية انتجت محكّات ضلال وزيف على طول الزمن، بدأ العقل ينكشف، أمام حملات التضليل والتشويه على يد الكهنة المتلبسين لبوس الحقيقة، فانحرفوا بالبشرية في منزلق التأليه البشري والحيواني ومظاهر الطبيعة، ليبنى على ضفاف هياكلهم المجد المزعوم.

إذن هي الفكرة التي أنتجتها أوهام تفيّأت بظلال الحقيقة وتمترست خلف المقدس، الذي جوبه بالدعوة إلى التوحيد وفق سيرورة تكاملية قائمة على التوازن ما بين النظرة في الآفاق ومجريات الواقع. ولكن الفكرة هنا قد تبقى حبيسة في عالم الذهن والتجريد إن لم تنجّز في عالم الواقع مصداقًا في الكلمة التي ترسم ملامح الشخصية الإنسانية عبر الزمن بتلاوينه المختلفة.

والكلمة هنا التجسيد الأمضى لمنتج انساني يحمل منظومة قيمية تشدو العدالة أساسا للملك، والحق عنوانًا لمسيرة التكامل الإنساني.

هي تشدو الحقيقة المبتغاة في المراحل والحقب، ولكن بتمظهرات مختلفة، وبأساليب متنوعة، انتقلت مع وسيلة الإعلام من البدائية والبساطة في الإبلاغ والتبليغ والإنباء، في المناداة من عُلا التلال ، أو إضرام النار على القمم، وتطور عبر الحمام الزاجل،والرسائل، ولكن  بمنسوب عادي وبوتيرة بطيئة تتماشى مع طبيعة الأحداث والسيرورة الزمنية.

ولكن مع عوامل النهضة وبدء ثورة الاتصالات بدأت ملامح المشهد بالتغير، تسارعت الصور الملتقطة عبر موجات الأثير، بالتزامن مع شيوع أفكار منبثقة من المجتمعات المنتجة للراديو والتلغراف والفاكس. وما عداها من وسائل اتصالية.

  ومما لا شك فيه أنّ المنتِج في الاتجاهين هو الأقدر على تسويق أفكاره وأجهزته، وتبقى المجتمعات المتلقية في الاتجاهين صدى لسوق استهلاكيّة للمنتج مع ما يستلزم ذلك من اتباعيّة مفرطة وانقياد أعمى وراء هذا المنتج باعتباره دليل تقدم ورقي لمستعمليه ومقتنيه. وهو بلا شك كذلك كجهاز لاقط أو كجهاز بث، باعتبار أن الوسيلة تكمن وظيفتها المثلى في تحديد وجهة استخدامها.

 والخطورة هنا تكمن في التقاط موجات الأثير ومحاولة تقمص شخصيّة المنتَج مع ما يحمل من أفكار ومعتقدات ورؤى، إن لم نقل تضليلية، فهي بلا شك مغايرة وقد تصل إلى حدّ التناقض مع مرتكزاتنا الفكريّة والعقديّة، حيث باتت الساحة مفتوحة للأفكار الوافدة من كل حدب وصوب، يتم تلقفها من دون تدبر. ربما مع مقاومة لهذه الأفكار أحيانًا وبصور مختلفة من مشاريع قومية وإسلامية، قد تصل هذه المشاريع في طروحاتها، وربما داخل الفصيل الواحد، إلى حدّ التناقض وأحيانًا تكون في القيام بالتبني المطلق لهذه الأفكار، وعليه وقعت مجتمعاتنا في فوضى المصطلح والمفهوم وبتنا تحت رحمة الوافد من أفكار وقيم منفصلة عن واقعنا وسيرورتنا الفكريّة والقيميّة في ظل غياب الثقافة الحواريّة المنفتحة على الآخر من جهة، والتماهي مع حركة الآخر إلى درجة الانسحاق من جهة أخرى، خلا قلة من دعاة التوازن.

ولعل المشهد يرتقي ويصل إلى حدّ الانفجار المعرفي الذي طاولت شظاياه كل مندرجات العولمة فكرًا وثقافة واقتصادًا وإعلامًا وما إلى ذلك، من خلال الشبكات العنكبوتية وقنوات التواصل الاجتماعي وما شابه، مع ما يحمل من صور قيمية متشابكة ومعقدة يصعب فك رموزها وشيفراتها بسبب التداخل والتشابك في دواخلها، فضلًا عن السرعة القياسية في تدفقها إلى حد نصل فيه إلى درجة القصور في المواكبة والتقصير في فهم تلك التدفقات من جهة، والتزاحم المفرط في ترتيب الأولويات، والصعوبة في تناول ذاك السيل المعرفي من جهة أخرى، للنقص المفرط في اعتماد منهجيات التحليل وبناءات الرؤى، فضلًا عن الانسحاق أمام سطوة الآخر، فبتنا عاجزين عن التقاط الحدّ الأدنى في المقاومة لتلك الأفكار باعتبار أنّ الأبواب مشرعة أمام كل الوافد، ولا نغالي إذا قلنا إن الأبواب باتت في خبر كان.

  هذا الواقع يرتّب علينا مسؤوليات جسام في إنتاج المعرفة التي تعتبر المدماك الأساس في عملية البناء المجتمعي، وهذا لا يعني أن ننقطع عن الآخر ونرفض نتاجاته، بل أن نستفيد من تلك الإنجازات في إنتاج معرفة منبثقة من صلب منظومتنا القيمية برؤيّة واضحة ومنهجية مرتكزة على البعد الأصالتي في الفكر والحركة والممارسة، باعتماد آليات محددة وقادرة على نظم الأمور، وبخطى متكاملة مع تعميم ثقافة التكامل والانفتاح المدروس حتى لا نبقى أسرى موجات الأثير ومشهد العولمة الكونيّة مترامية الأطراف، أو أن نعيش على هامشها، فعلى الأقل إذا ما أردنا الانخراط  في السيرورة الإنسانية أن نكون فاعلين في تشكيلها وتصويب مساراتها…
Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: