الضاحية

by mkleit

Image

بقلم ريتا فريد ابراهيم

هي ضاحية أخرى من ضواحي بيروت، ربما هي أكثر فقراً واكتظاظاً، ربما تكثر فيها صور زعامات “حزب الله” وحركة أمل مقابل صور أحزاب أخرى في ضواحٍ أخرى، ربما هي صفراء اللون مقابل ضواحٍ حمراء وزرقاء وبرتقالية، ربما “جوّها” لا يُعجب البعض من “محبي الحياة”، وكأن الحياة أصبحت، ككل شيء آخر، حكراً سياسياً أيضاً.

هي ضاحية أخرى، لكنها الوحيدة التي جَعلت من موقعها ومن مجتمعها ومن خطها السياسي، حيثية خاصة بها. هي “ضاخية”، كما يقول العدوّ الاسرائيلي الذي أُجبر على إدخال اسمها حرفياً إلى معجم حروبه على لبنان.

هي ضاحية، لكنها الضاحية.

ألمٌ كبير يمزّق الروح من بواطنها. إحساس بالإختناق يشلّ كل سبل التفكير. انفجار الضاحية بالأمس كان كفيلا بزلزلة ما بقي من هذه الأنفاس المتقطعة. البعض يمعن في حزنه وحداده، والبعض الآخر يرتقي بنشوة الإنتصار، متحدّيا صفعات الخوف.

وفي كلتا الحالتين، الموت موجود هنا، أقرب إلينا من كل شيء. الموت كالهواء المتخفي، مشتعل في كل الأمكنة.  كلما لمحتُ صورة لأحد الذين قضوا بالإنفجار على صفحات الفايسبوك، كلما أحسستُ بالموت يضغط على رؤوسنا بقسوة، وكلما تأكدتُ من سخافة كل شيء آخر.

لا أريد في هذه اللحظات سماع أيٍّ من التحليلات السياسية. الخطابات والإستنكارات التي لا تعيد طفلة احترقت مع عائلتها داخل سيارة، إلى الحياة، باتت تساهم في تعذيب الضحايا أكثر، وفي دفعنا للشعور بالقرف المدمّر.

حين يُحدِث انفجار الضاحية انفجارا آخر في داخلك، أيا تكن توجّهاتك السياسية، سوف تحسّ أنك ملتصق حد التطرّف بهذه المنطقة. إنسانيتك ستجعلك تحبّها أكثر، ترتفع معها بكبريائها، وتتماهى بأحلامها التي لا يمكن أن تتبدل، وتضعف وتنهار أمام أوجاعها، وتنحني أمام كل تضحيات فقرائها.

هي الضاحية، مدرسة في الصمود. ما حصل يؤكد أنها ليست الضاحية التي صوّرها بعض من لم يزرها، على أنها مربّع أمني مُنزلٌ من كوكب آخر على جنوب بيروت، وتغاضى بإرادته أو بسبب جهلٍ أصابه، عن 10452 مربّعاً أمنياً آخر.

“جنّيتي؟! شو في بالضاحية؟” عبارة أسمعها عندما أقول لبعض أصدقائي إنني كنت في الغبيري بالأمس، أو ذاهبة إلى بير العبد الأسبوع القادم. هي عبارة تكرّرت منذ التسعينات وحتى اليوم على مسامع كلّ “شرقي” أراد الذهاب إلى “الغربية” والعكس صحيح. قد تكون الأماكن تبدّلت إلا أن الذهنية لا تزال على حالها من هراءٍ ثلاثي الأبعاد: جهل عن الآخر، خوف من الأخر، وأحكام مسبقة تسرح وتمرح بين الإثنين.

سكان الضاحية الجنوبية، ككل سكان المناطق الأخرى، يعانون من آفات هذا البلد. يعانون من فقره وحُفَرِ طرقاته وانقطاع كهربائه وتلوّث مياهه وفوضاه العارمة، لا بل يعاني سكان الضاحية أكثر، لأن أشقاءهم في المعاناة يرونهم ككارهين للحياة وعاشقين للاستشهاد وقتال الحروب.

تتساءل عمن يمكن أن يكون مسؤولاً عن هكذا جريمة. الأدلة تشير حتى الساعة إلى ضلوع أيد تكفيرية في هذه المجزرة. وأياً كانوا، هم إرهابيون بحق، والإرهاب لا دين له.

تشعر بعجزك التام وانهزاميتك، لحظة مشاهدتك للصور الأولية. تُحطِّم هاتفك الخلوي لانقطاع الخطوط وأنت تسعى عبثا للإتصال بأصدقائك لمعرفة إن كانوا بخير. تستمر بالمحاولة عشرات المرات: تتنفس الصعداء حين يجيبون. يكفيك سماع كلمة “نحنا مناح” كي تقفل الخط وتحاول الإتصال بآخرين وأنت غارق في دموعك.

أكثر من أي وقت مضى، أشعر اليوم بالإنتماء للضاحية الجنوبية، وبأني من أكثر المعنيين بما يجري هناك، وأن منزلي أيضا قد احترق، وأن كل الدماء التي سالت هي دماء عائلتي وأقاربي.

حاولتُ خلق رسومات لوجوه الضحايا الذين تراءوا أمامي من غير أن أعرف أياً منهم. تخيّلتُ أشكالا وصورا لهم: أحدهم يبتسم لسبب ما. آخر يوجّه نظرة عتب لسلطة لم تؤمّن له الحماية. وأخرى تحدّق بحزن في أحبّاء فارقتهم من دون سابق إنذار…

وطفل، بعمر السنتين، عاجز عن الكلام، لم يتسنّ له بعد أن يعرف إن كانت الحياة تستحق العيش أم لا، لأنه حُرم حتى من حقه باختبار القليل منها…

Now.media

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: