حين تستبيح الكاميرات الجثث: من المسؤول الصحافي أم القاتل؟

by mkleit

غفران مصطفى

لم تتوانَ بعض الفضائيات العربيّة، والشاشات المحليّة، عن تمزيق الغشاء فوق وجوه القتلى. جثث السوريين الملقاة على أطراف الطرق، همُدت دفعة واحدة، وتفحّمت ملامحها. لكنّ الكاميرات الفضوليّة لم ترتدع عن محاولة التقاط أنفاسها الأخيرة، واستغلالها لأخذ «كلمة الحقّ»، ومعرفة القاتل. في الأزمة السوريّة، تحوّل «الإعلام شريكاً في المعارك»، بحسب الأستاذ المحاضر في كلية الإعلام والتوثيق أحمد زين الدين

لم تبدأ الاحتجاجات في سوريا بالدم، ولم يُظهر لنا الإعلام في بدايتها أي متظاهر خرج للانتقام لأخيه بسبب قنصه أو تعذيبه. لكن، مع دخول الأزمة أوجها، ومع توالي المذابح، وجد الإعلام المرئي مصيدته ومادته الدسمة، وراحت كل وسيلة إعلامية تتغنّى بمراسلها الذي استطاع أن يحصل على شريط فيديو لمذبحة من هنا، ومجزرة من هناك، وعملية لتصفية الأهالي، والرمي بالجثث من على السطوح. وطبعاً، كل وسيلة، بحسب سياستها، تخبرنا بأن «النظام الفاسد» وراء هذا القتل، أو أنّ «الجيش الحر الوحشي» يرتكب مذابح لا تمت للإنسانية بصلة. اعتكف الكثيرون عن مشاهدة أفلام «الأكشن»، وصاروا يشاهدونها عبر البثّ المباشر، وفي نشرات الأخبار، وعلى مواقع الإنترنت.

على أيّ مبدأ تقوم هذه الممارسات الصحافيّة، وما المبرر المهني والأخلاقي الذي تعطيه هذه المؤسسات الإعلامية لهذا النوع من التعاطي مع الجثث، وتوظيفها في البروباغندا السياسية؟ الأمثلة على هذا كثيرة، منها تقرير لمراسلة تلفزيونيّة راحت تتجوّل في موقع مجزرة درايا، وتحاور الجرحى، وآخر يعرض جثثاً ترمى من سطح بناية عالية. هل ننسى ذلك المراسل الذي راح يتنقّل كالنحلة وسط ركام مدينة، فسمع صراخ مواطنين سوريين يحملون جثّة طفلة متفحمة، فيقرِّر تقريب الكاميرا منها، قبل أن يستعرض الدماء التي أغرقت أحياء المدينة؟ أم ننسى ذلك التقرير الذي يعرض مسلحين يقودون سيارة ويشهرون أسلحتهم أمام المارة، ويجرون جثة رجل بحبل معقود حول قدميه، ويصرخون «الله أكبر»؟

تؤكد المديرة التنفيذية في قناة «الجديد» كرمى خياط ضرورة احترام الصحافي قواعد مهنته أولاً وأخيراً، وتقول «لا يجب أن يكون القانون هو رادع الصحافي عن إعداد مثل هذه التقارير ونقلها بدم بارد، إنما مهنته، وأنا أفضّل السقوط أمام القانون، على أن أسقط أمام مهنتي». وتشدّد الخياط على أنّ «الجديد» تتفادى عرض هذه التقارير، «ليس فقط لأنّها تستغلّ لأغراض سياسيّة، إنما احتراماً لإنسانيتنا». وتتابع «حين عرضت «الجديد» أثناء حرب تموز عام 2006 مشاهد للمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق المواطنين والأطفال، كان الهدف أن نبرز للرأي العام الغربي حقيقة هذا العدو وما يفعله في بلدنا، وكان الدافع وراء ذلك وطنياً». وتعتبر أنه من الممكن أن تخطئ أي قناة بعرض هذه المشاهد الوحشية، ومن ثم تعتذر، احتراماً لمهنتها، لكن «لا يمكنها «التبجّح» بها، أو تصويرها كأنها مشاهد عابرة».

السياسة نفسها، تعلن عنها «المؤسسة اللبنانيّة للإرسال» على لسان مالكها بيار الضاهر الذي قال لـ «السفير» انّ قرار منع عرض هذه التقارير على شاشته «احتراماً للذات الإنسانية أولاً، وإذا كان هدف المحطة إخبارياً فعليها تحذير المشاهد قبل عرضها». وبرأي الضاهر فإنّ عرض هذه التقارير إن تمّ كما نراه اليوم، فهو يأتي «خدمةً للأجندة السياسية لكلّ محطة، خصوصاً أنّ هذا الأمر يعدّ تهييجاً للمشاعر أكثر من تقــديم الخبر، ومعيباً بحــق أيّ شاشــة ترتكبه».

من جهته، يرى مدير مكتب قناة «العربية» في بيروت زهير منصور أن «الأهم من طريقة تصوير التقرير وعرضه هو أن يكون صادقاً، ونحن في القناة حريصون على عدم عرض التقارير التي تشوبها مشاهد لا تتقبلها أعين المشاهد لأكثر من 3 ثوانٍ، ويجب أن تكون هناك رقابة على هكذا نوع من التقارير احتراماً للمشاهد وللأطفال خاصة».
في المقابل، يرى المدير السابق لمكتب قناة «الجزيرة» في بيروت عياش الدراجي أنّ «الإعلامي ليس خادماً لأغراض سياسية بل ناقل للخبر».

وقال الدراجي لـ «السفير» قبل مغادرته مهماته في مكتب بيروت، انّ «الواقع يكون أحياناً مثيراً للاشمئزاز لدرجة تعافها الأنفس، لهذا نعمد إلى إخفاء وجوه القتلى، أو إخفاء الصورة بأكملها عبر تقنيات عدة، حفاظاً على حرمة الميّت. والإعلام بشكل عام ينتهج هذه التقنيات، لأننا في الوقت عينه إذا لم نبث هذه الصور والمشاهد إطلاقاً تحولنا إلى راديو». ويفضّل الدراجي عدم تحميل الصحافي مسؤولية ما ينقل لأن «الأمر الطبيعي هو معالجة المشكلة الأساسية، وهي التفاف أسئلتنا حول: من قتل؟ وليس تجريم الصحافي لنقله الحدث، إنما تنبيهه لمراعاة إنسانيتنا في نقل الصورة». ويشدّد على أن «الطرف الأول الذي يجب أن توجه إليه الإدانة هو القاتل، وكل من يخدم مصالحه. والصحافي أمام هذه المجازر هو أمام سؤال: أنقلها أم لا أنقلها؟ وبالمجمل كل قناة تضع ضوابط لها، تحدد تلقائياً سلوك الصحافي العامل فيها».

كلّ القنوات تعلن تقريباً التزامها باحترام المعايير الأخلاقيّة للبث خلال الحرب، لكنّ ذلك لا يبدو كافياً لإيقاف الفوضى في البــث الإعلامي، بحسب الأكاديمــي والصحافي أحمد زين الدين، الذي يرى أنّ «هناك عاملين أساسيين لتوجيه البث الإعلامي، هما القانون والأعراف، وعادة، تغيب هاتان الركيزتان خلال فترات الحرب، في العالم العربي خصوصاً». ويضيف زين الدين: «صار هناك تفلّت من القوانين والضوابط، وأصبح الإعلام سلاحاً من نوع آخر ـ وليس وسيطاً لحل الأزمات ـ وعنصراً فاعلاً بالمشاركة في تأجيج الجماهير، وخصوصاً بما يحــدث في سوريا». وفي هذا السياق، يقــترج زين الدين على الفضائيــات التي تنوي عرض مشاهد الجــثث وضع عبارة تحذير ترافق التقــرير، هذا إن كان لا بد من عرضها، لأن المعلومة والصورة في وسائل الإعلام الفضائية صارتا غير قابلتين للضبط، كأنّها تعيش ما يصفه زين الدين بشريعة الغاب.

السفير

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: