«المواطـن/الصحافـي».. عدسـة الهاتـف مصـدراً للخبـر

by mkleit

صهيب عنجريني

تعود انطلاقة تجربة «المواطن/ الصحافي Citizen journalist» عالمياً إلى أواخر التسعينيات، وهي انطلاقة لم تستغرق زمناً طويلاً لتدخل مرحلة الانتشار والازدهار بدءاً من العام 2000 متناسبةً طرداً مع ازدهار ظاهرة التدوين الالكتروني. ورغمَ أنَّ تجربة «المواطن/ الصحافي» احتاجت عشرَ سنواتٍ بعدها لتنتشر في العالم العربي. ويعودُ هذا القصر النسبي بالدرجة الأولى إلى الانفتاح الذي يوفره الفضاء الالكتروني، وقدرته على التحرر من القيود الرَّقابية. هذه القيود التي كان لسطوتها الزائدة في العالم العربي أثرٌ ارتدادي ساهم في سرعة انخراط المدونين/ الناشطين العرب في التجربة مدفوعين بالدرجة الأولى بالرغبة في الانعتاق.

وتزامناً مع الاندلاع المفاجئ لـ«الربيع العربي» وجد «المواطن/ الصحافي» في المنطقة العربية نفسه فجأةً في خضمِّ المعمعة الإعلامية ليتحوَّل تلقائياً إلى مصدر رئيس للمادة الإعلامية الخاصة بأحداث «الربيع العربي». ولم يقتصر الأمر على نقل الحدث بل تعدَّاه إلى المساهمة في صناعة الحدث وتصعيده، مستفيداً من الانفتاح الهائل على مواقع «يوتيوب»، و«تويتر»، و«فايسبوك» حيث وفرت هذه المواقع شرطين أساسيين لازدهار التجربة، أولهما سهولة النشر، وثانيهما توافر الجمهور.

الصحفي المدني يتعرض للاستغلال أو القتل بسبب رصده للواقع

وانطلاقاً من حقيقة أن عصرنا بات عصر الصورة بامتياز ومن واقع أن توثيق الصورة أشدُّ أثراً وأسهلُ جهداً من تحويلها إلى مادة مكتوبة باتت «الفيديوهات» التي يصوّرها الهواة ويرسلونها إلى المحطات الإخبارية أو يرفعونها على «يوتيوب» عينَ العــالم على الحدث.
نالت التجربة السّورية النصيب الأكبر في هذا المضمار بتضافر عوامل عدة أهمها امتداد الحدث السوري على مساحة زمنية أوسع من بقية أحداث الربيــع العــربي، وتحوّلت الصورة إلى ساحة حرب من نوع آخر بين المؤيدين والمعارضين، حتى أننا شاهدنا في بعض الحالات مقاطع مصورة للحدث نفسه، ولكن من زاويتين مختلفتين.

يوضح «أيهم» (اسم مستعار) وهو أحد المواطنين/ الصحافيين الذين عملوا وما زالوا على نقل الكثير من المقاطع من إحدى المناطق الساخنة في سوريا، أنه بدأ أول الأمر بانتهاز كل فرصة سمحت فيها الظروف الأمنية، لتصوير المقاطع عبر هاتفه الجوال، بغرض الاحتفاظ بها لا أكثر. لكن وبعد مشاهدته لمقاطع شبيهة تبث عبر الفضائيات، قرَّر «أيهم» العمل على إيصال تلك المقاطع التي بحوزته، وهو أمرٌ اصطدم بدايــةً بضآلة خبرته في التعامل تقــنياً مــع المقاطع. تولى أحد أقربائه مهمة رفــع الصور على «يوتيوب»، بشــكلٍ غــير منظم أول الأمر، ثم انتقلا إلى مرحلة أكثر تنظيماً عبر رفع بعــض المقاطع على قنواتٍ مغلقة عبر المواقع، ليتلقفها مشتركون آخرون يقومــون بإيصالها إلى بعض القنوات الفضــائية. ويوضح «أيهم» أنّ قريبه كان يضطر في بعض الأحيان إلى قطع مسافة طويلة من مكــان سكنهما إلى مدنٍ مجــاورة لإيصــال تلك المقاطع وذلك بسبــب تكــرار انقطاع خدمة الإنترنت في منطقتهما.

يقول «أيهم» إنّه مع مرور الوقت انتقل من مرحلة التصوير لمجرد التوثيق الشخصي ليصبح هاجسه الأول نقل الصورة لـ«فضح ما يحدث على الأرض». لكن رغم ذلك كان من الصعب وأحياناً من المستحيل تصوير الحدث لحظة وقوعه، نتيجة المخاطر التي يمكن أن تصل ببساطة إلى الموت المحتَّم. ولهذا ركَّز على تصوير النتائج: آثار القصف، مخلفات الاشتباكات، جثث الشهداء، ضحايا المجازر.

نسأل «أيهم» تحديداً عن الصور والمقاطع التي تظهر جثثاً وأشلاء فيقول: «أول الأمر كان من الصعب عليَّ مشاهدة الجثث فكيف بتصويرها؟ وفي أول محاولة، أصبتُ بدوارٍ شديد، ولم أستطع أن أصوِّر شيئاً فتولى المهمة أحد أصدقائي. رافقني منظر الجثة أياماً لكنني استطعتُ التغلب على الأمر لاحقاً وبات بإمكاني أن أرى وأصوِّر، فهذا واجب عليَّ إنجــازه». ويوضحُ «أيهم» أنَّ الهــدفَ من ذكــر أسماء أصحــاب الجثــث في المقاطع المصورة هو «الدقة في توثيــق الجرائم»، وأنه «سيأتي يوم تؤدي فيه هذه التسجيلات مهمة ثانية وهي معرفة أسماء الشهداء ومناطق استشهادهم وأحياناً أماكن دفنهم»، ويضيف: «إن رفع هذه المقاطع على بعض المواقع يوفر حماية لهذا الأرشــيف، لأنــه ليس بمأمنٍ بين أيدينــا في ظــل تعرضــنا لمخاطر الاعتقال ومصادرة ما بحــوزتنا في أي لحظة».

من الثابت أن ما يقوم به «المواطن/الصحافي» في الحالة السورية سدَّ فراغاً كبيراً في تغطية ونقل الحدث سببه صعوبة وصول وتحرك الإعلاميين بسهولة في المناطق الساخنة. كما أن بمقدور المواطن أن يتحرر من قيود كثيرة، تحدّ وسائل الإعلام التقليدية، ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك ردة الفعل الحادة التي قوبل بها «تلفزيون الدنيا» حين قام بتصوير نتائج «مجزرة داريا» في حين أن قيام مواطنين/صحافيين برصد حالات مماثلةٍ كان يقابل بردود فعل مختلفة، ويعامل على أنه عملٌ بطولي يسهم في كشف الأحداث، ويساعد على امتداد «الثورة» وانتشارها، نتيجة التفاعل العاطفي مع ما يتم بثُّه، والأمثلة على ذلك كثيرة ومن أبرزها ردود الفعل التي خلّفتها صورة الطفل حمزة الخطيب.

السفير

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: