التضحية بالعربية للتمكّن من الأجنبية

by mkleit

جنى نصر الله

ما إن يتكون الجنين في رحم الأم، حتى تبدأ التحدث معه باللغة الإنكليزية أو الفرنسية أو أي لغة أخرى. المهم أن تتجنّب قدر المستطاع التواصل معه باللغة العربية. تريد لمولودها الجديد أن يتقن اللغة الأجنبية، ولا ضير في أن يكون ضعيفاً في لغته الأم، أي العربية، لأنها لن تفيده في المستقبل. هذه قناعتها الراسخة، على الرغم من أن فئة كبيرة من الأهالي لا تتقن، في معظم الأحيان، اللغة التي يختار أفرادها التحدّث بها مع أطفالهم، ومع هذا فهم يصرّون على ذلك، مقتنعين بصوابية خيارهم. اللهجة تفي بالغرض، نتف كلمات بالأجنبية أفضل من عبارة كاملة بالعربية، إذ إن ذاكرة الطفل تخزّن كل ما تسمعه. لذا، من الأنسب أن يحصل التخزين بالأجنبية بدلاً من العربية، لأن من شأن ذلك أن يجعل الطفل متمرّساً في اللغة الأجنبية. هذا هو المنطق الذي يسيطر على الأهل، الذين يظنون أن ما يفعلونه يصبّ في مصلحة أولادهم، لا بل إنهم يشفقون على الأطفال الذين لا يسمعون سوى اللغة العربية في البيت، ولا يتوانون عن تأنيب أهلهم على ارتكابهم هذا الخطأ الفادح، تماماً كما فعلت بائعة في متجر للملبوسات النسائية حين طلبت منها إحدى الزبونات أن تتحدث مع طفلتها، ابنة السنتين، بالعربية لأنها لا تفهم الفرنسية. جنّ جنون البائعة التي لا تتحدث العربية مطلقاً مع أولادها. والمفارقة أن الطفلة التي لا تفهم الفرنسية، لبنانية تحمل الجنسية الفرنسية، التي حصل عليها والدها بفضل دراسته الطب في فرنسا وعمله هناك، غير أنه يحرص على التحدّث مع ابنته بالعربية لأنه يريد منها بكل بساطة أن تتعلم لغتها الأم.

اللغة العربية

أداة تواصل

قد يبدو هذا الوالد غريب الأطوار بالنسبة إلى كثير من الأهالي، لكن ما يفعله هو عين الصواب في رأي الاختصاصية في علم النفس التربوي ناي سويدي، التي تشدد على أهمية اللغة لما لها من تأثير في الطفل لجهة تكوين شخصيته. تقول سويدي «يبدأ الطفل بتمييز الأشخاص واكتشاف محبة الأهل والإخوة والأقارب له من خلال اللغة، التي يعبر عنها في أشهره الأولى بالبكاء أو الصراخ أو الضحك. ثم لا يلبث أن ينتقل في سنته الأولى إلى تقليد الأصوات والكلمات التي يسمعها. ومن الطبيعي أن يتأثر في هذه المرحلة باللغة التي يجري من خلالها التواصل بينه وبين والدته، لكونها أقرب الأشخاص إليه. فإذا تحدثت معه بغير لغتها الأصلية، سينعكس ذلك سلبياً على عفويته وقدرته على التعبير عن أحاسيسه وانفعالاته، إذ مهما كانت الأم ضليعة في اللغة الأجنبية، لن تحسن التعبير عن عاطفتها بعفوية وإحساس مطلقين. ومن شأن هذا الإرباك أن ينتقل إلى الطفل الذي سيواجه صعوبة في المستقبل في التعبير عن أحاسيسه». ولعل هذا ما يفسر الخجل عند هؤلاء الأطفال، الذين غالباً ما يتجنبون الاختلاط مع الآخرين، أو حتى التواصل مع من هم أكبر منهم سناً. هو ليس خجلاً، بقدر ما هو عدم فهم وقدرة على التعبير. لذا، نرى الطفل يلتصق بوالدته أو يختفي خلفها طلباً للإنقاذ حين يطرح عليه أي سؤال. فيأتي تدخلها ليزيد الطين بلة، إذ إنها تؤدي دور المترجم، ما يجعل هذا الطفل بحاجة دائمة إلى وسيط للتواصل مع العالم الخارجي. اللغة هي السبيل إلى المعرفة والثقافة، التي يبدأ الطفل في التقاطهما ومراكمتهما في سنواته الأولى. وهذان أمران لا يمكنه اكتسابهما من خلال لغة غير لغته الأم، التي تعزز انتماءه إلى بيئته. لا يعني هذا الكلام أنه لا يفترض بالطفل أن يسمع لغة غير لغته الأم، لكنها يجب أن تكون اللغة الأولى التي يجري من خلالها التواصل معه حتى عمر السنتين على الأقل. وهذا ما لا يحصل للأسف، إذ يسمع الطفل وهو في أشهره الأولى خليطاً من اللغات الأجنبية المطعمة أحياناً ببعض العبارات العربية، فيصل إلى المدرسة، حيث يشعر بأن لغته العربية هي لغة أجنبية. ولأنه لا يحسن التعبير من خلالها، أو فهم المعاني التي تحملها، يكرهها بعدما ارتبطت في ذاكرته بالمدرسة، أي إنها مجرد واجب أكاديمي لا وسيلة تعبير وثقافة وانتماء.

ارتقاء اجتماعي

لكن بعض الأهالي لا يعيرون أدنى اهتمام لهذه القضية، ولا مشكلة لديهم إذا كره أولادهم اللغة العربية لأنها لن تفيدهم مثلما تفعل اللغات الأجنبية، وفق ما تؤكد روان، التي تدافع عن موقفها بالقول إنها تكبدت عناء السفر الى كندا ثلاث مرات لتنجب أولادها الثلاثة هناك. وبما أنها ترى مستقبل أولادها في كندا لا في وطنهم، «فما حاجتهم الى اللغة العربية إذاً؟»، لكن منطق روان يفتقر الى الدقة، إذ إنها تعترف بأن أولادها ليسوا من المتفوقين في اللغة الفرنسية، أما وضعهم في اللغة العربية، فسيّئ جداً. وهذه نتيجة طبيعية في رأي كاتبة قصص الأطفال فاطمة شرف الدين، التي تؤكد أن «التحدّث باللغة الأجنبية يجعل الولد ضعيفاً في كل اللغات، ويشعره بالضياع. وغالباً ما يصل هؤلاء الطلاب إلى الجامعات ولا يتقنون أياً من اللغات على نحو جيد، إذ ليس صحيحاً أنّ تحدّث الأهل مع أولادهم بلغة أجنبية سيساعدهم على التمكن منها. هذه قشور اجتماعية، فاللغة أعقد من ذلك بكثير، هي ثقافة أولاً ومثابرة ولهجة ولفظ صحيح». وتلفت إلى أنه «إذا كان أحد الوالدين أجنبياً، فمن الطبيعي أن يتحدث مع طفله بلغته الأم، ولن يؤثر ذلك في قدرة الطفل على التعبير، كما لن يجعله ضعيفاً في أيّ من اللغتين اللتين ستصلانه في سياقهما الطبيعي والعفوي، وخصوصاً أن الطفل قادر على الربط بين اللغة والشخص». وبالمناسبة، هل سمعنا أماً فرنسية مثلاً تتحدث مع طفلها بالإنكليزية أو الإسبانية؟

وتروي شرف الدين بعضاً من معاناتها في قراءة قصص الأطفال ضمن أسبوع المطالعة الذي أصبح تقليداً سنوياً في لبنان، مشيرة إلى «وجود فجوات كبيرة في العلاقة بين الأولاد واللغة العربية، إذ يسأل الأولاد عن معاني أبسط الكلمات مثل سجن أو قاض أو عقاب». وتلفت إلى أن «هذه المشكلة تبدو أكثر تعقيداً في المدارس الخاصة، وتحديداً تلك التي تصنّف نفسها نخبوية، فيما تبدو علاقة الأولاد باللغة العربية وقدرتهم على التعبير بواسطتها أفضل بكثير في المدارس الرسمية». وهذا ما يؤكد أن التحدث بلغة أجنبية أصبح هوية وأحياناً طبيعة. إنه نوع من الارتقاء الاجتماعي يعزّزه الشعور بالنقص إزاء اللغة العربية. والأنكى من هذا، أن الأولاد يتباهون بضعفهم في هذه اللغة، فلا يبذلون أدنى جهد لتحسين هذا الواقع، حتى حين يكبرون ويصبحون في المرحلة المتوسطة أو الثانوية. والمفارقة، أنهم حين يعجزون عن فهم معنى أيّ كلمة أو عبارة بالعربية، ينقذهم الأهل بترجمتها إلى اللغة الأجنبية. هذا ما فعلته ربى حين سألتها ابنتها التي تستعد لتقديم الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة عن معنى «السيرة الذاتية»، لكن كيف لابنتها أن تشرح معنى «السيرة الذاتية»، إذا طرح عليها سؤال بهذا الخصوص في الامتحان؟ هل تكتفي بالترجمة؟

——————————————————————————–

طفلة بلغات كثيرة

تروي ليلى بأسف شديد أن ابنتها (3 سنوات) تتحدث خليطاً من اللغات. فهي لبنانية، وزوجها تركي. وبما أنها لا تتقن التركية والوالد لا يعرف العربية إطلاقاً، فإن التواصل بينهما يجري باللغة الإنكليزية التي لا يجيدانها على نحو متقن. تقول ليلى إن «طفلتها التي ولدت وترعرعت في تركيا، تتحدث التركية بطلاقة، إلى حد أني لا أفهم أحياناً الحديث الذي يدور بينها وبين والدها». وهذا بديهي، ما دام الأب يتواصل معها بلغته الأصلية على نحو عفوي وتلقائي. قد يبدو الأمر مقبولاً عند هذا الحد، لو لم تكن جدة الطفلة لأمها فرنسية الأصل، ما يعني أن الطفلة تتحدث أيضاً الفرنسية مع جدتها، فيما يبقى وضع اللغة العربية سيئاً جداً، إذ رغم أن الأم تتحدث بهذه اللغة مع طفلتها، فإنها لم تنجح في تعليمها إياها، لأن الحديث الذي يدور بين الوالدين يكون عادةً بالإنكليزية «المكسّرة».

تخطط ليلى للاستقرار مجدداً في لبنان، وأحد الأسباب هو تعليم ابنتها العربية على نحو جيد، لكن هل سينجح الأمر؟ أم ستتعرض الطفلة لخلطة جديدة من اللغات الملبننة التي يرطن بها أبناء جيلها؟

 

http://www.al-akhbar.com/node/29264

 

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: