الثورة لبنانياً: «قد بساطك مد إجريك»

by mkleit

ربى أبو عمّو

لم تمرّ الثورات العربية من دون تأثير في الشباب اللبنانيين، الذين «ركبوا الموجة» إيجاباً هذه المرة، وقرروا «التحرّك»، منطلقين من «الفايسبوك» إلى الأرض. أعتق معظم هؤلاء أنفسهم من القيود الحزبية، فكانوا مستقلين في غالبيتهم، وإن لم يعنِ ذلك عدم امتلاكهم أيديولوجياتهم الخاصة.
بدايةً، تحرّك الشباب تحت عنوان التضامن مع الثورات، داعين إلى الاعتصام أمام سفارات الدول، إلا أنهم صاغوا سريعاً حراكهم الأبرز، الذي تمثّل في حملة إسقاط النظام الطائفي، والذي ظن مطلقوه أنه سيكبر مثل كرة الثلج، كما حصل في الدول العربية. فشلُ هذا الحراك لم يمنع ولادة تحرّكات مطلبية أخرى، قد لا تؤدي بدورها إلى نتيجة، لكن هل تؤسس لمرحلة جديدة أكبر وأوسع؟ وما الذي يحمي بعض الشباب من اليأس؟
يعدّ علي فخري أحد الناشطين الفاعلين. قد لا يكون اسمه مستساغاً كثيراً بين عدد من الشباب. يكفي أنه ركض عارياً في الطريق للفت نظر الناس إلى الاحتباس الحراري. إلا أن هذا الشاب ترك ملايين أفريقية يديرها والده، لينضم إلى «الناشطين الذين لا يتعدون الرقم ثلاثين». لا يريد أن يكون بطلاً. يكفيه إحداث خرق.
كان لفخري تجربة حزبية، لكن معظم الأحزاب، وربما جميعها، مسقوفة. أراد إطاراً غير مسقوف. يعرّف عن نفسه اليوم بأنه «ناشط حقوقي إنساني وسياسي». يعمل على محاربة العنصرية حيال المهاجرين، وقد أنشأ مع عدد من الشباب «لجنة دعم الثورات العربية». يختلف مع الذين يستخفون بهذا العمل بحجة عدم وجود نتائج حسية، والدليل: «صدر قانون منع التدخين جراء الضغط الذي مورس على النواب. اعتدنا إيقاظهم في منتصف الليل».
يارا حركة ناشطة أيضاً. ربما تعد إحدى متصدرات لائحة الناشطين. أخذت على عاتقها تنظيم الحملات المناهضة للتطبيع. تتذكر كيف أسهمت مع زملائها في إغلاق مقهى «ستاربكس» مدة يومين. احتل الملف الفلسطيني حيّزاً كبيراً من نشاطاتها، فكانت الاعتصامات أمام السفارات الداعمة لإسرائيل، كما شاركت في دعم الثورات. صحيح أن حركة قريبة فكرياً من «اتحاد الشباب الديموقراطي»، إلا أنها تعمل باستقلالية، تقوم على تلاقي الأفكار. لا تتردّد في القول إن العمل الفردي أصعب من الحزبي. يكفي أن للحزب خليته الإعلامية، فيما تسعى الحملات الفردية إلى جلب الناس بـ«المَوْنة». تحلم بالتغيير، لكنها واقعية، حيث إنها لا تدعي القدرة على ذلك «نحن نسهم في تسليط الضوء على قضية معينة».
الناشط هاشم عدنان ليس أقلّ واقعية، لكنه، في الوقت عينه، يختزن «حماسة بريئة» يعمل على تغذيتها. يراهن على إيقاظ «غريزة الحق» ونشر المعرفة وصولاً إلى الحشد لتحصيل الحقوق. فشل حملة إسقاط النظام الطائفي مثّل تحدياً له، ولغيره من الشباب، ودفعه إلى التحرك. يؤمن بـ«التراكم»، مستشهداً بعدد من التنازلات التي أُجبِر النظام على تقديمها. يوقن أن مجموعة كبيرة من الناس تعارض النظام، ويصفها بـ«شبه أكثرية شعبية». عدنان هو أحد الذين أطلقوا حملة «حقي عليي»، واعتصموا أخيراً أمام وزارة الصحة بالأكفان. لا مكان لليأس أيضاً في قاموسه. ببساطة، هذه هي الحياة التي اختارها لنفسه.
ربما هي المبادئ التي تجمع بين الناشطين الجدد، أو رفضهم الانضمام إلى صفوف السلبيين، الذين نأوا بأنفسهم عن الطرقات لتأمين لقمة العيش، علماً أن القضايا الحياتية باتت ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى. فالغريب أن مشاكل مثل غلاء المعيشة، عدم القدرة على الادخار أو شراء منزل متواضع أو حتى استئجار بيت، إلخ، تطغى على أحاديث الناس اليومية، منهم الشباب، من دون أن تمثل حافزاً للنزول إلى الشارع، وتكوين حلقات ضغط على النواب والوزراء. فهل يعني ذلك أن الحراك الشعبي، وتحديداً الشبابي منه، انتهى؟
يقول الباحث في العلوم السياسية كرم كرم إن «التحرّك الشبابي موجود، لكن الأحزاب استقطبته»، لافتاً إلى أنه «قبل عام 2005، لم يكن الحراك السياسي محزّباً. بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، أخذت الأحزاب السياسية موقعها واستقطبت الشباب. ميزانٌ جديد أضعف الجمهور المدني». المعادلة كما يصفها كرم بسيطة: «مرة بيردّوا شمص، ومرة بيردّوا مدنيين».
يعود تفوّق جمهور الأحزاب السياسية على المدنية، بحسب كرم، إلى «نقص الثقافة والممارسة والتجارب، إذ يغيب حسّ المصلحة العامة لمصلحة حقوق الطوائف والأحزاب. ببساطة، لم يتبلور الوعي اللازم بعد». يعود إلى فترة ما بعد الحرب الأهلية، أي التسعينيات، التي شهدت حركة مطلبية شبابية واسعة. تحرّك الشباب ضمن أطر مؤسساتية، وقادوا حملة مدنية طالبت بحرية تأسيس الجمعيات على سبيل المثال. لذلك لا يجد كرم في محاولة بعض الشباب خلق حركة احتجاجية مطلبية ظاهرة استثنائية، فكلّ «جيل يحمل زخمه معه»، لكنه يدعو الشباب إلى الاستفادة من تجارب الذين سبقوهم.
يعدّ وزير الداخلية السابق زياد بارود أحد الناشطين البارزين في تلك الحقبة. هو وبول سالم وبول أشقر وكثر غيرهم، واجهوا قمع سلطات ذلك الوقت، بما يحملونه من حنق ربما على أحزاب صنعت حرباً أهلية، رغم أنه يشير إلى أهمية الحزب في تكوين أدبيات واضحة لدى الفرد. عندما انتهت الحرب وفتحت المناطق، خرج بارود إلى الضفة الأخرى من البلد. لم تكن الأحزاب ضمن خياراته أبداً، باستثناء حافز إحداث خرق في مجتمع ما بعد الحرب، وخصوصاً أنه مع بداية التسعينيات، «كان كلّ شيء جديداً. الديموقراطية وحقوق الإنسان والمواطنية والانتخابات، إلخ». القمع كان أيضاً في أوجه، يترافق مع «تهم تشويه صورة لبنان». يتذكر الخرق الأول من خلال حملة «بلدي بلدتي بلديتي»، ونجاحها في إصدار قانون إجراء انتخابات بلدية، ومن خلال مشاركته في تظاهرات عدة، يخلص إلى أنه «لا يمكن ادعاء إحداث تغيير 100%، بل يمكن الحديث عن خرق».
يجمع الشأن العام بين بارود وعدنان وحركة وفخري وغيرهم. رفض هؤلاء أن يكونوا مجرد «راكبين بالمجان». نضجت تجربة بارود، وبات قادراً على رؤية الأمور من زاوية أكثر وضوحاً. يلفت إلى أن اليأس لا يصيب إلا «الذين هم على عجلة من أمرهم». الخرق يحتاج إلى سنوات في نظام «عمره من عمر المتصرفية». يتحدث أيضاً عن قلة الابتكار لدى شباب اليوم: «لم يحرج الشباب السلطة بعد».
قد يبدو الحديث عن التغيير مستهلكاً. التغيير يجر وراءه مجموعة من المتشائمين أو الواقعيين ربما، الذين علمتهم التجربة أن «لبنان شُكّل على هذا النحو ولن يكون غير ذلك». هؤلاء لا تكفيهم الخروق، بعكس الناشطين الفرديين، الذين لن يتوقفوا طالما لا يزالون يُحدثون خروقاً. حين يعود الفراغ السياسي يوماً ما، قد يرجع الشباب إلى مدنيتهم… والطرقات. فأرقام «الإعجاب» التي يضغط عليها الشباب على «فايسبوك» لا تعكس صورة الواقع.

http://www.al-akhbar.com/node/29028

Advertisements

Freedom to Speak, Respectfully.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: